سيد محمد طنطاوي
286
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بكلام من أعطاه حقه وافيا ، فضلا عن أن يتعصب له ، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل . . « 1 » . ثم أرشد الرجل المؤمن الحصيف قومه إلى سنة من سنن اللَّه التي لا تتغير فقال : * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) * . أي : إن سنة اللَّه - تعالى - قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يهدى إلى الحق والصواب ، من كان مسرفا في أموره ، متجاوزا الحدود التي شرعها اللَّه - تعالى - ومن كان كذابا في إخباره عن اللَّه - تعالى - ، ولو كان موسى مسرفا أو كذابا ، لما أيده اللَّه - تعالى - بالمعجزات الباهرة . وبالحجج الساطعة الدالة على صدقه . فالجملة الكريمة إرشاد لهم عن طريق خفى إلى صدق موسى فيما يبلغه عن ربه ، وتعريض بما عليه فرعون من ظلم وكذب . قال الجمل في حاشيته : فالجملة الكريمة كلام ذو وجهين نظرا لموسى وفرعون . الوجه الأول : أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ، والمعنى : إن اللَّه هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة ، ومن هداه اللَّه إلى ذلك لا يكون مسرفا ولا كذابا . الوجه الثاني : أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى . وكاذب في ادعائه الألوهية ، واللَّه لا يهدى من كان كذلك . . « 2 » . ثم أخذ في تذكيرهم بنعم اللَّه عليهم ، وفي تحذيرهم من نقمه فقال : * ( يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الأَرْضِ ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّه إِنْ جاءَنا ) * . أي : وقال الرجل المؤمن لقومه - أيضا - : يا قوم ، أي : يا أهلي ويا عشيرتي ، أنتم اليوم لكم الملك ، حالة كونكم ظاهرين ، أي : غالبين ومنتصرين في أرض مصر ، عالين فيها على بني إسرائيل قوم موسى . وإذا كان أمرنا كذلك ، فمن يستطيع أن ينصرنا من عذاب اللَّه ، إن أرسله علينا ، بسبب عدم شكرنا له ، واعتدائنا على خلقه . وإنما نسب إليهم ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض دون أن يسلك نفسه معهم ، وسلك نفسه معهم في موطن التحذير ، تطييبا لقلوبهم ، وإيذانا بأنه ناصح أمين لهم ، وأنه لا
--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 162 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 13 .